محمد بن جرير الطبري

584

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بالرحيل إلى الموضع الذي اختار من نهر جطى ، وتقدم في قود الدواب بعد ان أصلحت لها الطرق ، وعقدت القناطر على الأنهار ، وغدا في يوم الثلاثاء لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جطى ، فأقام به إلى يوم السبت لأربع عشره ليله خلت من شعبان سنه سبع وستين ومائتين ، ولم يحارب في شيء من هذه الأيام ، وركب في هذا اليوم في الخيل والرجاله ، ومعه جميع الفرسان ، وجعل الرجاله والمطوعة في السفن والسميريات ، على كل رجل منهم لامته وزيه ، وسار حتى وافى الفرات ، ووازى عسكر الفاسق وأبو احمد من أصحابه واتباعه في زهاء خمسين الف رجل أو يزيدون ، والفاسق يومئذ في زهاء ثلاثمائة الف انسان ، كلهم يقاتل أو يدافع ، فمن ضارب بسيف ، وطاعن برمح ، ورام بقوس ، وقاذف بمقلاع ، ورام بعراده أو منجنيق ، وأضعفهم امر الرماه بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد ، والمعتنون بالنعير والصياح ، والنساء يشركنهم في ذلك . فأقام أبو احمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى ، وامر فنودي ان الأمان مبسوط للناس ، أسودهم واحمرهم الا الخبيث ، وامر بسهام فعلقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به ، ووعد الناس فيها الاحسان ، ورمى بها إلى عسكر الخبيث ، فمالت اليه قلوب أصحاب المارق بالرهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه ، فأتاه في ذلك اليوم جمع كثير يحملهم الشذا اليه ، فوصلهم وحباهم ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطى ، ولم يكن في هذا اليوم حرب . وقدم عليه قائدان من مواليه ، أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز ، في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائدا في قوه من مع أبى احمد . ورحل أبو احمد عن نهر جطى إلى معسكر قد كان تقدم في اصلاحه ، وعقد القناطر على انهاره ، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينه الفاسق ، فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الأحد للنصف من شعبان سنه سبع وستين